بقلم الدكتور نضال كمال سليم ابو عجوه
في أول سنواتي هنا، سألتُ صديقًا إندونيسيًا أن يأتي لأمرٍ اتفقنا عليه في الغد. نظر إليّ، وابتسم ابتسامته الهادئة تلك، وقال:«إن شاء الله… سأحاول.»Insya Allah, saya usahakan.وجاء الغد.
جلستُ أنتظر، وأنا على أتمّ اليقين. مرّت الساعة الأولى فقلتُ في نفسي: الطريق مزدحم، والزحام هنا لا يرحم، ومرّت الثانية فقلتُ: لعلّه انشغل قليلًا وسيأتي، وحين مالت الشمس إلى المغيب، كنتُ قد بدأتُ أراجع الموعد في ذاكرتي: هل أخطأتُ في اليوم؟ هل أخطأتُ في الساعة؟ هل أخطأتُ في اللغة؟لم يأتِ الرجل.
ولم يعتذر بعد ذلك، ولم يبدُ عليه أنه فعل شيئًا يستحق الاعتذار أصلًا،وأنا، بطبيعة الحال، كنتُ قد فهمتُ العكس تمامًا.لم أكن يومها قد تعلمتُ بعدُ اللغةَ الثانية للإندونيسيين: لغةَ ما لا يقولونه.
ظننتُ أول الأمر أن المشكلة في أذني، أو في لغتي التي ما زالت غضّة، لكنها لم تكن هناك ، كان الرجل قد أعطاني، في أسلوب التواصل الذي ألِفه، جوابًا ظنّه كافيًا.
أما أنا فكنت أسمع الكلمات بعاداتي أنا ، الحقيقة أن الرجل لم يقل «نعم»، ولكنه — وهنا يكمن كل شيء — لم يشأ أن يقول «لا»،فالـ«لا»، في كثير من بيئات هذه البلاد، كلمةٌ ثقيلة، حادّة، تكاد تجرح من يسمعها.
وهو لم يكن مستعدًا أن يجرح ضيفًا جاء إليه بوجهٍ بشوش. فاختار الطريق الثالث: أن يقول شيئًا جميلًا لا يلزمه بشيء.ومنذ ذلك اليوم، بدأتُ أجمع — دون أن أقصد — قاموسًا صغيرًا للعبارات التي تحتاج إلى هامش.سألتُ مرةً في مطعم: هل هذا الطعام حارّ؟ فقال صاحبه بثقةٍ مطمئنة: Sedikit pedas، «حارّ قليلًا»، فمددتُ يدي إليه واثقًا.
وبعد أول لقمة اكتشفتُ أن كلمة «قليلًا» نفسها تحتاج بين العرب والإندونيسيين إلى مؤتمرٍ دولي لتحرير معناها. ولم ينتهِ الخلاف عند المائدة؛ فقد وجدتُ نفسي بعد ذلك في غرفة الطوارئ بالمستشفى، وما زلتُ أحاول أن أفهم: أيُّ مقدارٍ من الفلفل كان يقصده الرجل حين قال: sedikit؟وسألتُ آخر عن مكانٍ أقصده: هل هو بعيد؟ فقال بلا تردّد: Dekat. «قريب.» فمشيتُ على قدميّ مطمئنًا، فإذا «القريب» يمتدّ ويمتدّ حتى ظننتُ أن الرجل قاس المسافة بقلبه الطيّب لا بالأمتار.
ثم فهمتُ أن «قريب» عنده ليست وحدة قياس، بل طريقةٌ في التشجيع: لا تقلق، ستصل، والله معك.
وسألتُ ثالثًا: هل سينتهي هذا العمل اليوم؟ فقال: Mudah-mudahan. «عسى.» وتعلمتُ مع الوقت أن بعض الإجابات ليست مواعيدَ نهائية، بل أمنياتٌ طيبة، تُقال بنيّةٍ حسنة، وتُترك للسماء أن تُتمّها أو لا تُتمّها.
ثم كانت الدعوات. يمرّ بك الرجل فيقول بابتسامةٍ عريضة: Mampir dulu! «تفضّل، عرّج علينا!» مثل: « مَيّل يا أبو أحمد». فيفرح العربيّ فيك ويهمّ بالدخول، فإذا الرجل قد قالها وهو ماضٍ في طريقه.
ليست دعوةً بالمعنى الذي نعرفه؛ هي كلمة مودّةٍ ولطف، أقرب إلى تحيّةٍ منها إلى موعد غداء، واحتجتُ إلى وقتٍ حتى أفرّق بين الدعوة التي يُراد بها الباب المفتوح، والدعوة التي يُراد بها القلب المفتوح فحسب.أما «إن شاء الله» فقد كانت لي وحدها قصة.
نحن نقولها ونعني بها العزم غالبًا: سأفعل إن شاء الله، أي سأفعل. وهم يقولونها أحيانًا وهم يعنون شيئًا ألطف وأبعد: أتمنى، ولا أريد أن أعِدَك وعدًا قد لا أستطيع الوفاء به فأخذلك. كلمةٌ واحدة، ومعنيان يفترقان في منتصف الطريق بين غزّة وجاوة.أنا أضحك من نفسي، من ذلك العربي الذي كان يكتب كل موعد بالحبر، قبل أن يكتشف أن بعض المواعيد هنا تُكتب بقلم رصاص.