في أعالي وادي العين بمحافظة حضرموت، تقف قرية صيقة باعبود شامخةً كأنها صفحةٌ مفتوحة من كتاب التاريخ، تحمل بين جدرانها الطينية ملامح حضارةٍ لم تُمحَ آثارها، وتروي للأجيال قصة الإنسان الحضرمي الذي استطاع أن يصنع من الطين عمرانًا، ومن الوادي موطنًا للحياة والعلم والأصالة.
تتمتع القرية بموقع استراتيجي مميز يربط بين ضفتي وادي العين، وهو ما منحها أهمية كبيرة عبر التاريخ، لتصبح إحدى أبرز قرى المنطقة وأكثرها حضورًا في ذاكرة المكان. وما إن تطأها الأقدام حتى يشعر الزائر بأنه انتقل إلى زمن آخر، حيث ما تزال البيوت العريقة والمساجد القديمة تحافظ على هيبتها، شاهدةً على قرونٍ من الاستقرار والعطاء.
ويعود اسم القرية إلى أسرة آل باعبود بوازير، وهي من الأسر الحضرمية العريقة التي اشتهرت بالعلم والوجاهة، وأسهمت في جعل القرية مركزًا علميًا وروحيًا بارزًا. فقد احتضنت صيغة باعبود مسجدًا ومدرسةً علميةً كان لهما دور مهم في نشر المعرفة وتخريج العلماء، لتصبح مناراتها العلمية امتدادًا لدور حضرموت التاريخي في خدمة العلم والدعوة.
أما الطراز المعماري للقرية، فهو أحد أبرز عناصر تميزها. فقد أبدع البنّاء الحضرمي في تشييد منازل شاهقة من الطين، تتزين بالنورة البيضاء، فتبدو للناظر كأنها حصونٌ متراصة تتحدى الزمن. وتكتمل روعة هذه العمارة بالأبواب والسدّات الخشبية المنقوشة يدويًا، والتي تعكس ذوقًا فنيًا رفيعًا ومهارةً توارثتها الأجيال، إلى جانب المساجد التاريخية التي تضفي على المكان روحًا من السكينة والجلال.
ولا تقتصر قيمة صيقة باعبود على تاريخها وعمرانها، بل تمتد إلى حياة أهلها الذين حافظوا على ارتباطهم بالأرض وموروثهم الاجتماعي. فالزراعة تمثل النشاط الاقتصادي الرئيس للسكان، إلى جانب تربية النحل وإنتاج عسل السدر الحضرمي، الذي ذاع صيته عالميًا بفضل جودته الفائقة وخصائصه الطبيعية.
وفي الجانب الاجتماعي، ما تزال القرية متمسكة بعاداتها وتقاليدها الأصيلة، خاصة في المناسبات والأعياد، حيث تتردد الزوامل والمساجلات الشعرية التي تستحضر أمجاد القبائل، وتجسد روح التلاحم والتكاتف بين أبناء المجتمع، في مشهد يعكس استمرار الموروث الثقافي الحضرمي رغم تعاقب السنين.
إن زيارة صيقة باعبود ليست مجرد رحلة إلى قرية تاريخية، بل هي رحلة إلى قلب حضرموت، حيث يلتقي التاريخ بالعمران، والطبيعة بالإنسان، والأصالة بالحياة اليومية. إنها شاهد حي على قدرة الحضارة الحضرمية على البقاء، ودليلٌ على أن التراث ليس مجرد آثار صامتة، بل هو هوية نابضة بالحياة تستحق أن تُحفظ وتُروى للأجيال القادمة.
شاهد التقرير أدناه