تزخر حضرموت عبر تاريخها بجهابذة العلم وأعلام الدعوة الذين حملوا مشعل الهداية ونشروه في أصقاع الأرض. ومن بين هؤلاء الأعلام البارزين، يتألق اسم العلامة محمد بن سالم بن حفيظ (1332 – 1392 هـ)، المفتي الأسبق لمدينة تريم، الذي وهب حياته لخدمة العلم، ونشر الدعوة، وإصلاح ذات البين، تاركاً إرثاً علمياً واجتماعياً خالداً لا يزال ينبض في ذاكرة الأمة وواقعها.
أولاً: النشأة والتكوين العلمي
ولد الشيخ محمد بن سالم بن حفيظ في قرية “مشطة” بالقرب من تريم، في حوطة والده العلامة سالم بن حفيظ، عام 1332 هـ. نشأ في بيئة علمية صالحة عابقة برائحة الأثر وحب القرآن، فوالده كان من محدثي حضرموت ومسنديها.
رحلته في طلب العلم: بدأ تكوينه العلمي الأول على يد والده، فأخذ عنه مبادئ الإسلام، ثم انتقل إلى تريم التي كانت تموج بالعلماء والحلقات العلمية. التحق بـ “رباط تريم” الشهير، وفيه تتلمذ على يد كبار العلماء والمدرسين، مستفيداً من المنهج التعليمي الشامل الذي زاوج بين شتى العلوم الشرعية واللغوية والسلوكية. لقد صقلت هذه المحاضن موهبته، وغرست فيه نزعة راسخة نحو التحقيق والتدقيق في المسائل الفقهية والأثرية.
ثانياً: ريادة الفتوى والقضاء
تبوأ العلامة محمد بن سالم بن حفيظ مكانة رفيعة في الأوساط العلمية في حضرموت، مما أهله لتولي منصب “الإفتاء والوعظ” بمدينة تريم. لم يكن مجرد ناقل للأحكام، بل كان فقيهاً محققاً يمتلك ملكة الاجتهاد الشامل المقرون بورع شديد وتحرٍ دقيق للحق.
منهجه في الفتوى: كان القضاة وعامة الناس يقصدونه من مختلف النواحي البعيدة طلباً لفتواه في المسائل المستعصية والنزاعات الشائكة. وقد تميز منهجه في الإفتاء بالآتي:
- تبسيط الأحكام: صياغة الفتوى بلغة واضحة تيسر لغير المختصين فهم الحكم الشرعي وتطبيقه.
- الارتباط بالنوازل: معالجة مشكلات الناس اليومية دون إغفال الأصول الفقهية الراسخة.
- الدعوة إلى الصلح: كان يميل في كثير من فتاواه إلى تشجيع الصلح الشرعي بين الخصوم، مؤثراً السلم الاجتماعي ومقاصد الشريعة على الاستمرار في الخصومات، وهو ما أكسبه ثقة كبيرة وجاه اجتماعي واسع.
ثالثاً: العناية بالتعليم والتعليم والتدريس
كان التعليم بالنسبة للعلامة بكير رسالة حياة، لا وظيفة تؤدى. لقد آمن بأن نهضة الأمة تبدأ من “بناء الإنسان” الواعي بدينه وأثره الاجتماعي.
آليات العطاء التعليمي: سخر كافة الأدوات والوسائل המتاحة لخدمة هذا المقصد:
- حلقات المساجد والرباطات: استمر في التدريس في رباط تريم وحلقات المساجد، حيث التف حوله طلاب العلم من شتى الأصقاع والأقطار للتلقي عنه والاستفادة من سمته وهديه قبل علومه.
- الرحلات الدعوية: لم ينحصر عطاؤه في حضرموت وحدها، بل كانت له رحلات كثيرة لنشر الدعوة وإرشاد الخلق ونفع المسلمين. فحج حجة الإسلام سنة 1368 هـ، واجتمع بعلماء الحرمين الشريفين وأخذ عنهم، ثم توجه إلى شرق أفريقيا (كينيا، زنجبار، تنزانيا)، ودخل الهند وباكستان، للقاء العلماء وتبادل الأسانيد والإجازات العلمية.
رابعاً: الإنتاج الفكري والأدبي
إلى جانب الانشغال بالفتوى والتدريس وإصلاح ذات البين، ترك العلامة محمد بن سالم بن حفيظ ثروة فكرية وأدبية تعكس عمق علمه وسعة أفقه، فكان من العلماء الأدباء والشعراء.
أبرز مؤلفاته وآثاره:
- ديوان شعري كبير: يزخر بالقصائد البليغة المتنوعة بين النبويات (في مدح الرسول ﷺ)، والوعظيات، والاجتماعيات، وقصائد الهناء والمدح والرثاء، مما يعكس ذائقة أدبية رفيعة وقدرة لغوية متينة.
- المصنفات الفقهية والأثرية: على الرغم من أن جل علمه كان مشافهة وفتاوى مقيدة، إلا أن المكتبة الحضرمية تحتفظ برسائل ومؤلفات له في الفقه الشافعي وفقه النوازل (يجدر بالذكر أن الكثير من المؤلفات المنشورة اليوم تحمل اسم ابنه الحبيب عمر بن حفيظ، ولذا وجب التنويه بالبحث في مخطوطاته ورسائله التاريخية المعتمدة).
خامساً: الوفاة والاستشهاد
ختمت مسيرة العلامة محمد بن سالم بن حفيظ بصفحة مؤلمة من تاريخ حضرموت الحديث. في خضم التحولات السياسية والأيديولوجية التي شهدها الجنوب اليمني في مطلع السبعينيات، تعرض الشيخ للتضييق بسبب صدعه بالحق وتمسكه بمنهج الأجداد.
حادثة الاختطاف والاستشهاد: حكم عليه بالإقامة الجبرية في تريم للحد من نشاطه الدعوي والتعليمي. وفي يوم الجمعة عام 1392 هـ، خرج مع ابنه (سالم) لصلاة الجمعة (والتي نقلت حينها إلى مسجد المحضار)، وبعد الصلاة تم اختطافه من قبل الميليشيات التابعة للنظام الحاكم آنذاك. ومنذ ذلك الحين، لا يُعرف مصيره الرسمي، ويُرجح استشهاده في سبيل الله رحمة الله رحمة الأبرار، وقد ترك برحيله ثلمة كبيرة في صفوف العلماء لا تزال حضرموت تشعر بها.
خلاصة القول: رحل العلامة محمد بن سالم بن حفيظ بجسده، لكنه ترك خلفه تاريخاً يفيض بالنور، ومدرسة في العلم والورع والفتوى لن تنطفئ شعلتها ما دام في حضرموت رجال يحملون راية الأجداد، ويسيرون على درب الأثر الممتد. رحم الله مفتي تريم، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن حضرموت والأمة خير الجزاء.
سيرة ذاتية ترصد رحلة كفاح وعصامية الشيخ محمد بن عوض بن لادن (المولود في وادي دوعن)، وكيف أسس أكبر إمبراطوريات المقاولات في الشرق الأوسط.