حين يقف المرء متأملاً أمام أسوار “شبام”، لا يشعر بعظمة الارتفاع فحسب، بل يشعر بعمق التاريخ وجذوره الضاربة في الأرض. هي ليست مجرد بنايات طينية مرصوصة، بل هي “قصيدة عمرانية” سطرها الإنسان الحضرمي بعرقه وتجربته، فغدت “أقدم ناطحات سحاب في العالم”، شامخة في وجه الزمن وعوادي الأيام.
لقد أطلق عليها المستشرقون والرحالة اسم “مانهاتن الصحراء”، ولكننا كحضارم، نراها من زاوية أعمق: نراها تجسيداً لقيم التلاحم، وعبقرية التدبير، والقدرة على “التكيف” مع بيئة قاسية بأدوات بسيطة ولكنها فعالة. هي مدرسة تعلمنا -نحن جيل اليوم- كيف نبني مجتمعات مستدامة وقوية، ليس بالآلات المعقدة، بل بالرؤية الصائبة والتعاون الوثيق.
1. العبقرية العمرانية: عندما يصبح الطين فناً وهندسة
بناء شبام لم يكن ترفاً أو حباً في الاستعلاء، بل كان ضرورة فرضتها طبيعة الأرض والحاجة للأمن:
- عمارة “اللبن” و”المدر”: استخدام الطين المحلي (اللبن) بعد خلطه بالتبن وتركه يجف (المدر) هو قمة “الاستدامة” البيئية. فالمادة متوفرة، وهي عازل طبيعي للحرارة، تحافظ على اعتدال الجو داخل البيوت صيفاً وشتاءً، وتجعل العمارة تتنفس.
- التخطيط العمودي للأمن والدفاع: تراص البيوت على ارتفاعات شاهقة شكل “سورا” بشريا وعمرانيا. النوافذ تقع في الطوابق العليا فقط لضمان الخصوصية والحماية، والشوارع الضيقة الملتوية توفر الظل وتسهل الدفاع عن المدينة.
- نظام “الزبار” والصيانة الدورية: سر خلود هذه البنايات هو نظام “الزبار” (إعادة طلاء الواجهات باللبن) بشكل دوري وسنوي. هذا العمل ليس مجرد صيانة، بل هو “طقس اجتماعي” يؤكد على مسؤولية الجميع في حماية الإرث المشترك.
2. دروس من الأجداد في القيادة وإدارة الموارد
بعيداً عن جدران الطين، تقدم شبام دروساً بليغة في كيفية إدارة المجتمعات وبناء “الاستدامة” الاجتماعية والمؤسسية:
أ. الرؤية بعيدة المدى والتخطيط للأجيال
الأجداد لم يبنوا لعام أو عامين، بل خططوا لمئات السنين. كانوا يمتلكون “بعد نظر” في استخدام الموارد المحدودة لضمان بقاء المدينة للأجيال القادمة. هذا هو التخطيط الاستراتيجي الذي نحتاجه اليوم في كافة شؤون حياتنا ومؤسساتنا.
ب. العمل بروح “الفخيذة” والمسؤولية المجتمعية
بناء بيت من سبعة طوابق، وصيانته دورياً، لا يمكن أن يقوم به فرد واحد. شبام قامت على مبدأ “الفريق الواحد” و “المسؤولية المشتركة”. فكل أسرة (فخيذة) مسؤولة عن جزئها، والمجتمع ككل مسؤول عن السور والمسجد والساحات. هذا هو جوهر “العمل الجماعي” (Teamwork) في الإدارة.
ج. العناية بـ “الخشب” و “النجارة”: رمز القوة والأصالة
الخشب (من أشجار السدر والأثل المحلية) يمثل “الهيكل العظمي” و “الزينة” لهذه البنايات. النجارة الشبامية، وخاصة “النوافذ” (المواشير) و “الأبواب” المنقوشة، ليست مجرد زخرفة، بل هي تعكس الدقة في العمل والصبر على الجودة.
3. دليل عملي لاستلهام موروث شبام في تطوير حياتنا ومؤسساتنا
بصفتنا ورثة هذا الموروث، علينا تحويل هذه المعاني إلى تطبيقات عملية تناسب عصرنا، من خلال الخطوات التالية:
1.بناء ‘أساس’ متين من القيم والمهارات:فهم الهوية والاستثمار في الموارد المحلية.
ابدأ كل عمل أو مبادرة بالاعتماد على كفاءاتك المحلية ومواردك المتاحة. في شبام، بُنيت القصور من طين الأرض. لا تبحث عن حلول غريبة قبل أن تستثمر في “اللبن” الذي لديك (كفاءاتك وقيمك).
2.العمارة العمودية: بناء هياكل تنظيمية قوية:تصميم نماذج عمل مرنة ومترابطة.
صمم هياكل ومبادرات تدعم “النمو العمودي” (تطوير المهارات بعمق) والمرونة. تماماً كبنايات شبام، كل طابق يدعم الطابق الذي فوقه، وكل مبادرة يجب أن تكون مبنية على أسس قوية ومترابطة.
3.’الزبار’ السنوي: ثقافة الصيانة والتحديث المستمر:بناء ثقافة المسؤولية المشتركة.
ارسخ ثقافة “الصيانة الدورية” للأفكار والمهارات والروح المعنوية. في شبام، يُعاد تلييس الجدران سنوياً؛ وفي المؤسسات، يجب “تلييس” المهارات عبر التدريب، وتجديد الالتزام بالقيم الأساسية.
4.تسويق الإرث بلسان العصر:توثيق الإرث ونشر المعرفة.
استخدم لغة العصر لنشر هذه التجارب. يمكن تحويل قصص نجاح شبام وفنونها العمرانية إلى محتوى تفاعلي وبرامج تعليمية تبرز القيم الحضرمية الأصيلة، وتجذب الجيل الجديد.