بقلم: د. مبارك قصعور


هناك رجال لا يُقاس عطاؤهم بما يقدمونه فقط، بل بالأثر الذي يتركونه في حياة الناس، ومن هؤلاء الشيخ المهندس عبد الله أحمد بقشان، رجل العطاء والخير، الذي جعل من خدمة الإنسان مشروعاً ممتداً يتجاوز حدود الصدقة إلى صناعة الأثر والاستدمة.
البساطة والتواضع.. عادة أهلنا
سألته مرة عن سر بساطته وتواضعه، فقال: “هذه عادة أهلنا.”
ولعل أكثر ما يميز الشيخ عبد الله بقشان حرصه على الصلوات الخمس في المسجد، وقد عايشته وصاحبته في مواقف يطول حصرها، كما شهدت حرصه على الاعتكاف في الحرم المكي في العشر الأواخر منذ أكثر من أربعين سنة، صيفاً وشتاءً، دون أن يفرط في الانقطاع بمكة المكرمة والحرم المكي.
فالشيخ عبد الله رجل خير وإحسان، وكذلك كان والده، شيخ الحضارم في جدة.

العطاء القائم على صناعة الأثر
ما ميز الشيخ عبد الله في جانب البذل والعطاء هو التمويل الواعي؛ فهو لا يكتفي بمجرد الصدقة، وإنما يتتبع الاحتياج ويبحث عن الأثر.
حضرت معه وسمعت منه وشهدته في مواطن كثيرة، حتى أدركت الكثير من المعايير التي يرعاها غالباً في اتخاذ قرارات الدعم والاعتماد، خصوصاً في مجالات التعليم والصحة.
وهو بالتأكيد غير ملزم بالتبرع وفق معايير أو بغيرها، لكن تميز عطائه جاء من حرصه على أن يكون للمال أثر حقيقي ومستدام.

الاستثمار في الإنسان.. مشروع الابتعاث نموذجاً
عندما قرر الشيخ عبد الله الاستثمار في الإنسان والابتعاث، سبق إلى حسنة حققت الاستدامة والأثر المتعدي.
وللعلم، فقد اعتمد الشيخ الكثير من المنح والمعونات لغير الحضارم، ثم تحول إلى مأسسة العمل، وقدم نموذجه الخاص من خلال مؤسسة حضرموت – تنمية بشرية، ونقل التجربة إلى جيل الشباب من مخرجات برامج الابتعاث نفسها.
لم يكن الهدف مجرد منح دراسية، بل كان الهدف صناعة قادة ومبدعين يساهمون في نهضة مجتمعاتهم ويعودون بالنفع على وطنهم.
العطاء الذي يتجاوز المال
إذا أراد الله بعبده خيرًا هيأ له عملًا صالحًا يعمله.
وحتى لو قيل إن هذه ليست كلها أموال الشيخ عبد الله، فأشهد أنني سمعته يقول لطلاب الابتعاث في إحدى الدول:
«”يا أبنائي، هذه ليست أموالي لوحدي.”»
ولم تكن ميزة الشيخ عبد الله أنه يتصدق ثم ينتهي دوره، فهذا أسهل ما يمكن أن يفعله أي محسن، وإنما تميز بأنه كان يباشر بنفسه الاتصال بالطلاب، ويرد على اتصالاتهم، ويستقبلهم في منزله يوميًا دون مواعيد مسبقة، ويسافر إليهم ليستمع إليهم مباشرة، ويتابع احتياجاتهم وكأنهم أبناؤه.
مواقف من واقع المعايشة
سافرت معه مرة إلى عمّان، وكان عدد المبتعثين حول العالم آنذاك يزيد على خمسة آلاف مبتعث.
ورغم أن وفدًا من كبار الشخصيات ورجال الأعمال كان يرافقه، فإن معظم وقته كان مع الطلاب، يجلس إليهم، ويستمع إليهم، حتى إن مجموعات منهم كانت تدخل إلى غرفته الخاصة تباعًا طوال فترة الزيارة.
كما رافقته في أول زيارة لي إلى سقطرى بطائرته الخاصة، ودخلت معه إلى غرفة القيادة، فطلب من الطيار القيام بجولة فوق الجزيرة. وعندما توقفنا في مطار الريان وسألناه عن سبب التوقف، قال: “سنأخذ معنا المجلس الطلابي بجامعة حضرموت، فالطلاب حاضرون دائمًا.”
وربما تابع للطالب المبتعث إجراءات تأشيرته أكثر من مرة، أو غيّر له تخصصه إذا رأى أن ذلك أصلح له، متعاملًا معه بروح الأب لا بروح المتبرع.
مشروع ابتعاث ترك أثرًا واسعًا
لقد كان مشروع الابتعاث بهذا العدد من أكبر مشاريع الابتعاث، صاحبه جهد كبير في التقييم والمتابعة، ودراسة الاحتياج، وتوجيه التخصصات بما يتوافق مع سوق العمل.
وينطبق الأمر ذاته على دعمه لأندية الطلاب الحضارم في مختلف دول العالم، وحرصه على اختيار أفضل الوجهات الأكاديمية والجامعات المصنفة عالميًا.
ومن الصعب الإحاطة بجميع جوانب تجربة الشيخ عبد الله بقشان، لكننا نسأل الله أن يتقبل منه، وينفع به، ويخلف عليه بخير الدنيا والآخرة.
دعوة إلى توثيق التجربة
لماذا لا يُكرَّم هذا الجهد المبذول رسميًا؟ ولماذا لا تحتفي به الكيانات والفعاليات الحضرمية المختلفة، وإن كان هو لا ينتظر منهم شيئًا؟
وأرجو من الشيخ عبد الله أن يأذن بتوثيق تجربته توثيقًا استقصائيًا للأجيال، ولكل المهتمين بالعمل الإنساني، مع حقه الكامل في تحديد زمن النشر، فمثل هذا التوثيق سيشكل أرشيفًا ثريًا بعد استبعاد الخصوصيات والتفاصيل الشخصية.
نسأل الله أن يتقبل منه، ويرزقه القبول والسداد.

✍🏻 د. مبارك قصعور
